عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
74
اللباب في علوم الكتاب
أحدها : أنه - تعالى - ذمّهم عليها ، ولو كانت مخلوقة له لكانوا مطيعين بفعلها ؛ لأن الطّاعة عبارة عن فعل المراد . وثانيها : لو كان العصيان مخلوق للّه - تعالى - لكان الذّم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أسود ، وأبيض ، وطويلا . قال ابن الخطيب « 1 » : وهذا تمسّك بفعل المدح والذم ، وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ، وقد تقدّم . قوله : « ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » . و « العفو » المحو ، ومنه : « عفا الله عنكم » أي : محا ذنوبكم ، والعافية : لأنها تمحو السّقم ، وعفت الريح الأثر ؛ قال : [ الطويل ] 488 - فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمأل « 2 » وقيل : عفا كذا أي : كثر ، ومنه « وأعفوا اللّحى » فيكون من الأضداد . وقال ابن عطية : « العفو تغطية الأثر ، وإذهاب الحال الأوّل من الذّنب أو غيره ، ولا يستعمل العفو بمعنى الصّفح إلا في الذنب » . وهذا الذي قاله قريب من تفسير الغفران ؛ لأن الغفر التغطية والسّتر ، ومنه : المغفر ، ولكن قد فرّق بينهما بأن العفو يجوز أن يكون بعد العقوبة ، فيجتمع معها ، وأمّا الغفران فلا يكون مع عقوبة . وقال الرّاغب « 3 » : « العفو » : القصد لتناول الشّيء ، يقال : عفاه واعتفاه أي : قصده متناولا ما عنده ، وعفت الريح التّراب قصدتها متناولة آثارها ، وعفت الديار كأنها قصدت نحو البلى وعفا النّبت والشّعر قصد تناول الزّيادة ، وعفوت عنك كأنه قصد إزالة ذنبه صارفا عنه ، وأعفيت كذا ، أي : تركته يعفو ويكثر ، ومنه « أعفوا اللّحى » فجعل القصد قدرا مشتركا في العفو ، وهذا ينفي كونه من الأضداد ، وهو كلام حسن ؛ وقال الشاعر [ الطويل ] 489 - . . . * إذا ردّ عافي القدر من يستعيرها « 4 »
--> ( 1 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 72 . ( 2 ) البيت لامرىء القيس ينظر ديوانه : 8 ، والأضداد : 93 ، خزانة الأدب : 11 / 6 ، والدرر : 1 / 285 ، شرح شواهد المغني : 1 / 463 ، مغني اللبيب : 1 / 331 ، والمنصف : 3 / 25 ، همع الهوامع : 1 / 88 ، شرح المعلقات للتبريزي : ( 13 ) ، الشنقيطي : ( 58 ) ، والدر المصون : 1 / 224 . ( 3 ) ينظر المفردات : 351 . ( 4 ) عجز بيت للأعشى وصدره : فلا تصر ميني واسألي ما خليقتي ينظر ديوانه : ( 371 ) ، الكشاف : 4 / 393 ، والدر المصون : 1 / 424 .